ابن الجوزي

324

كتاب ذم الهوى

النّوكى « 1 » ، وما عشق حكيم قط ، لأنّ قلوب الحكماء أشدّ تمنّعا عن أن تقفها صورة من صور الكون ، مع شدة تطلبها ، فهي أبدا تلحظ وتخطف ، ولا تقف ، وقلّ أن يحصل عشق من لمحة ، وقلّ أن يضيف حكيم إلى لمحة نظرة ، فإنه مارّ في طلب المعاني ، ومن كان طالبا لمعرفة اللّه لا تقفه صورة عن الطلب ، لأنها تحجبه عن المصوّر ، وحوشيت قلوب الحكماء الطالبين ، فضلا عن الواصلين العارفين ، من أن تحبسهم الصور ، أو تفتنهم الأشكال عن الترقي في معارج مقاصدهم ، أو تحطّهم عن مراكزهم إلى محلّ الأثقال الراسية ، بل هم أبدا في الترقي ، هاتكون للحجب والأستار بقوة النظر . فصل : وقد بان بما ذكرنا أنّ مراد النفس الشهوانية اللذة ، فلنقدح في اللذات مطلقا ، بما يبين به عيب العشق ، ثم نخصّه بما يليق به فنقول : اعلم أنّ اللذة الحسنة ليست شيئا مطلوبا في ذاتها ، إنما هي دفع حادث مؤذ ليعود الإنسان إلى حالته قبل ذلك الحادث ، ومثال هذا كرجل خرج من مكان ظليل فسار في الشمس فمسّه الحرّ ، ثم عاد إلى الظل ، فإنه يلتذ بذلك المكان إلى أن يعود إلى حالته الأولى ، ثم يفقد الالتذاذ ، ويكون اشتداد اللذة على قدر اشتداد بلوغ أذى الحرّ إليه ، وقد يتصور صاحب اللذة أنها حصلت من غير أذى سابق ، وليس كذلك ، إذ لا يمكن أن تقع لذة حسنة إلا بمقدار التأذّي بالخروج عن الطبيعة ، كما أنه بمقدار أذى الجوع والعطش يكون الالتذاذ بالطعام والشراب ، فإذا عاد الجائع والعطشان إلى حالته الأولى كان إكراهه على تناولهما أبلغ شيء في أذاه .

--> ( 1 ) النوكى : الحمقى ، جمع أنوك .